خليل الصفدي
405
أعيان العصر وأعوان النصر
والوافدية ألف اقطاع والسلطان نقم عليه ما نسب إلى أستاذه ، وكان أولا إذا راح في البريد إلى مصر أكرمه وعظمة وخلع عليه الخلع السنية وأنعم عليه الانعامات الوافرة ، ولكن سبحان من لا يتغير ولا يحول ولا يزول ، وكان قد حصل أموالا عظيمة فأخذت ونهبت ووسطه الأمير سيف الدين بشتاك في سوق الخيل يوم الموكب ووسط خواشداشة جنغاي علي ما تقدم . 820 - طغاي « 1 » الخوندة الكبرى زوج السلطان الملك الناصر ، وأم ابنه آنوك المقدم ذكره ، وكانت جاريته أولا ، ثم إنه أعتقها وتزوّجها ، وقيل : إنها أخت الأمير سيف الدين أقبغا عبد الواحد - المقدم ذكره - . كانت بديعة الحسن ، باهرة الجمال الذي لا يطيق وصفه القالة اللسن ، رأت من السعادة ما لا يراه غيرها من زوجات ملوك مصر الذاهبات ، وتنعّمت في ملاذ ما وصلت إليها يد الناهبات ، لم يدم على محبّة أحد غيرها ، ولا نأى القس عن ديرها « 2 » ، ولا عقل مجنونه عن ليلاها ، ولا وقفت به جمال غرامه إلا في عقبة إيلاها ؛ لأن نياق أشواقه كانت كثيرة الشرود سريعة الانتقال ، والانفتال عن مراعي زرود ، وكانت فيما بعده معظّمة في كل دوله مكرّمة في كل زمان - أحال اللّه حوله - . ولم تزل كذلك إلى أن كسفت شمسها ، وهانت في الثرى بعد ما عز على كف الثريا لمسها ، وتوفيت - رحمها اللّه تعالى - في شوال سنة تسع وأربعين وسبعمائة في طاعون مصر . كانت هي الخوندة الكبرى بعد بنت نوكاي « 3 » ، وهي أكبر الزوجات مقدمة حتى على ابنة الأمير سيف الدين تنكز ، حج بها القاضي كريم الدين الكبير ، واحتفل بها ، وحمل لها البقل في محائر طين على ظهور الجمال ، وأخذ لها البقر الحلابات تكون معها في الطريق ؛ ليؤخذ لبنها ويجبن ، ويصنع لها في الغداء والعشاء المقلو السخن ، وناهيك بمن وصل إلى هذين النوعين البقل والجبن ، وهما أحسن ما يذكر فما عساه يكون بعد ذلك ، ثم إنه حجّ
--> ( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 2 / 2025 ، الوافي بالوفيات : 16 / 447 ، النجوم الزاهرة : 10 / 238 ، الذيل التام : 107 . ( 2 ) الدير : مسكن الراهبين والراهبات من النصارى أتباع المسيح عليه السّلام يقول الملك الناصر لم يهجر زوجته إلى غيرها كما أن قيس ليلى لم يفكر في غيرها - ولازم قبرها حتى فرغ من حياته - وهذا دليل الوفاء والإخلاص في الحب . ( 3 ) ستأتي ترجمته .